top of page

اللي ما اتغذاش حب من معلقة فضة، هيتعلم يلحسه من على السكاكين

  • Dr Nelly Ali
  • Mar 27
  • 3 min read


واحدة من أقوى الحاجات في مسلسل "لام شمسية" هي شجاعته في مواجهة قضايا اجتماعية الناس بقالها سنين نفسها تتكلم عنها بصوت عالي. كأن المسلسل إدّى للناس إذن — من غير ما يعرفوا إنهم محتاجينه — بالحزن، بالغضب، بالتذكر. اقعد خمس دقايق بس على فيسبوك وهتشوف: المشاركات، إعادة المشاركات، سيل البوستات والكومنتات. في زفير جماعي حاصل — تنفيس عن حزن مكبوت بقاله كتير، والمسلسل عمله مساحة. ما اكتفاش بفتح مواضيع؛ فتح بوابة. مساحة للصدق. للوجع. لحاجة شبه الشفا.


واحدة من أصعب، وأهم، الحقايق اللي المسلسل بيحطها قدامنا هي تعقيد العلاقة بين الطفل والشخص اللي بيأذيه. المسلسل ما حاولش يلمّع الألم، ولا يقدمه كأنه أبيض أو أسود. يوسف، الولد الصغير في قلب القصة، شايل مش بس صدمة، لكن شوق كمان — للشخص اللي آذاه، آه، بس كمان الشخص اللي جابله هدايا، وحكى له حكايات، ولعب معاه. الشخص اللي كان بيحبه. لأن ساعات، دي الحقيقة. العنف مش دايمًا بييجي على هيئة وحش في الضلمة. ساعات بييجي مغلف بالحب.


وهنا بقى أنا اتأثرت فعلًا. مش بس كمشاهدة. لكن كحد قعد في ملاجئ، سمع في جلسات علاج، واحتضن أطفال بيحاولوا يفككوا اللي حصلهم.


في شغلي مع الأطفال المتصلين بالشارع، قابلت بنت هسميها سارة. أمها جابتها للملجأ بعد ما شافت بعينيها اللي مستحيل يتوصف — جوزها بيؤذي بنتها اللي عندها تسع سنين. ما ترددتش. خدت سارة وتلات بنات تانيين وسابت البيت. بس الهروب، زي ما اتعلمت مرارًا، هو مجرد خطوة أولى. بالنسبة لستات زي أم سارة، اللي عايشين على حافة البقاء، مفيش خطوة تانية مرسومة. لا بيت آمن. لا شغل ثابت. لا علاج. لا خطة بديلة.


عملت الحاجة الوحيدة اللي قدرت عليها: حطت سارة في "ملجأ الأمهات" (بعد ما تعرضت لانتهاك تاني باسم الكشف على العذرية اللي الشرطة طلبته علشان تسجل الجريمة)، والتلات بنات التانيين في دار أيتام. لحد ما كتبت عنهم على المدونة بتاعتي، ووقتها إنسان جميل تواصل معايا. أجّر لهم شقة. اشترى لأم سارة كشك. وملأه ببضاعة. بالتصرف البسيط ده — ، كان معجزة ليها — العيلة اتجمعت من تاني.


اللي خلى القصة دي ما تتنسيش مش بس شجاعة الأم. لكن فقرها. وده اللي ما بنتكلمش عنه كفاية. كتير بنختصر الحكايات في سؤال: الأم صدّقت ولا أنكرت؟ حمت بنتها ولا سابتها؟ بس في عامل تاني بيغيّر كل حاجة: الفلوس.

الفقر مش مجرد خلفية. ده عامل حاسم في إمكانية الحماية.


الحقيقة إن في ستات كتير بيصدقوا ولادهم. وعايزين يتحركوا. لكن ما يقدروش. مش علشان ما عندهمش حب. لكن علشان ما عندهمش إيجار. ما عندهمش شغل. ما عندهمش اختيارات. وفي أنظمة مش مبنية علشان تحميهم، النقص ده بيبقى مصيري.


بنتكلم كتير عن الوصمة. عن العار. بس دي في الغالب أعباء الطبقة الوسطى — رفاهية اللي يقدروا على جلسات العلاج، أو الخصوصية، أو المسافة المريحة للإنكار. بالنسبة للفقرا، النجاة مسألة لحظية، ملحة، ما فيهاش رفاهية.


قصة سارة ما خلصتش لما دخلت الملجأ. في جلسات العلاج الجماعي، بدأت تتكلم — بهدوء، بحذر — عن قد إيه هي وحشاها الراجل اللي آذاها. اتكلمت عن اهتمامه بيها، الهدايا الصغيرة، الحنية. اتكلمت عن الذنب — ذنب عميق، خانق — مش علشان الاعتداء، لكن علشان هو اختارها عن أمها. ودلوقتي هي مش عارفة إزاي أمها ممكن تفضل تحبها. كانت حاسة إنها خربت حاجة مقدسة. ده شكل الأذى في عقل الطفل — مش كجريمة، لكن كارتباك. كخيانة من كل الاتجاهات.


في جملة : "اللي ما اتغذاش حب من معلقة فضة، هيتعلم يلحسه من السكاكين." وده اللي شوفته في سارة. وفي أطفال كتير غيرها. الحب، لما بيتحرم من الأمان، بيتلوي، وبيبقى حاجة بتجري وراها، حتى لو بتجرحك.


كحد بيشتغل في حماية الطفل، ومؤمن الحقوق، بقيت شايفة قد إيه الحماية دي مش موزعة بعدل. اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل بتوعد كل طفل بالحماية، وبإعادة التأهيل، وبالرعاية. بس في الواقع، الحقوق دي متاحة أكتر لبعض الأطفال عن غيرهم. الوصول للعلاج، والسكن الآمن، والتعليم المتفهم للصدمات، والعدالة القانونية — مش متوزعين بالتساوي.

فبسأل: لما بنتكلم عن حقوق الطفل، حقوق مين بالظبط؟


الـ "تقاطعيات" مش كلمة دارجة. هي ضرورة. علشان قصة سارة مش بس عن العنف. دي عن الفقر. عن إنها بنت. عن إنها عايشة في نظام بيعاقب الأمهات اللي بيحموا ولادهم لو ما عملوش كده "صح". عن الحكايات اللي ما بتطلعش في العناوين، ولا في الحملات، علشان معقدة، وجارحة، و"مش مناسبة"

.

لازم نبطل نتعامل مع الناجين كأنهم مجموعة واحدة. تجربة الأذى مرتبطة بشدة بالعرق، الطبقة، النوع، الإعاقة، الهوية الجنسية، وضع الهجرة — وكمان فرص النجاة.


لو عايزين نكون مجتمع بيحمي الأطفال بجد، لازم نبدأ نبني أنظمة مش بس بترد على الصدمة لما تخبط باب غني. محتاجين ملاجئ، آه — بس كمان كرامة. محتاجين علاج، بس كمان دخل. محتاجين حماية — مش بس للي يعرفوا يطلبوها "بالطريقة الصح".


"لام شمسية" فكرنا بحاجة جوهرية: إن العنف مش دايمًا بشع، وإن النجاة مش دايمًا نظيفة. ورّانا الحب بعد ما اتكسر — ولسه طلب مننا نبص.


إحنا مديونين لأطفال زي سارة — ولأمهاتهم — بأكتر من الفرجة. لازم نسمع. ولازم نتحرك. وقبل أي حاجة، لازم نضمن إن الحماية، والرعاية، والعدالة، مش رفاهية، لكن حقوق — متاحة للكل، مش بس اللي اتولدوا والمعلقة الفضية في بقهم.

Comments


© 2025 by Dr. Nelly Ali

bottom of page